خاص صدى الولاية - الكاتب: الدكتور حسين حمية
يشهد العالم اليوم نظامًا دوليًا أكثر فوضوية وتعددًا في مراكز القوة، وهو نظام لم يستقر بعد على شكل نهائي، ويتجلى ذلك في تصاعد أزمات النظام العالمي، من أزمات مالية وتوترات تجارية إلى حروب مباشرة وغير مباشرة.
لم تعد الولايات المتحدة الأميركية تظهر بوصفها القوة المهيمنة الوحيدة، لكنها ما زالت القوة العسكرية الأولى، والقوة المالية والتكنولوجية المركزية، واللاعب الرئيس في المؤسسات الدولية. ومع ذلك، لم يحدث حتى الآن تحول نهائي نحو نظام عالمي بديل وواضح، فالهيمنة الأميركية تراجعت نسبيًا لكنها لم تنتهِ، ما يعني أن العالم يعيش حالة من عدم الاستقرار طويلة الأمد.
ويعود هذا التراجع النسبي إلى إشكالية مؤثرة في بنية النظام الدولي، تتمثل في ما يمكن تسميته بـ”لعبة البقاء التي يلعبها القادة”، حيث تتقدم المصالح الشخصية على أي اعتبار آخر. ومن هنا يمكن فهم سلوك قادة مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وغيرهما، إذ تتجه بعض الأنظمة السياسية، ولا سيما ذات الطابع الاستبدادي، إلى السعي للبقاء في الحكم بأي ثمن، وإرضاء الائتلاف الفائز الصغير على حساب الأغلبية.
ولكل قائد شيفراته المعقدة في الخطاب السياسي، وهي منهجية انعكست سلبًا على بنية النظام الدولي، وعلى مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية، التي جرى توظيفها أحيانًا بصورة مضللة لطمس الحقائق.
ويرى الكاتب أن ترامب يتبع اليوم ما يصفه بـ”عقيدة دانرو”، بوصفها تعديلًا لعقيدة “مونرو”، من خلال إحداث تغييرات في الجغرافيا السياسية، والتدخلات العسكرية، وإعادة تشكيل التحالفات الغربية، بما يؤدي إلى إضعاف حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والعودة إلى نظام “المحور والأطراف”، إلى جانب تسليح الاقتصاد، وإعادة هندسة الأنظمة الجمركية، واعتماد نموذج الإكراه في الشرق الأوسط.
ويضيف أن هؤلاء القادة لا يخوضون الحروب لخدمة المصالح العامة، بل لحماية ائتلافاتهم السياسية، خصوصًا أن كثيرًا منهم لا يخضع للمساءلة، ويعتمد على مصادر تمويل تمنحه قدرًا من الاستقلال عن إرادة الشعوب. وبذلك يصبح الصراع محكومًا بأبعاد إبستمولوجية واستراتيجية، وينتقل العالم من نظام قائم على القواعد إلى نظام قائم على القوة.
ويعتبر الكاتب أن العالم يشهد تحولًا هيمنيًا، ينتقل من مفهوم “الإبداع المدمر” عند الاقتصادي جوزيف شومبيتر إلى عالم متعدد الأقطاب، حيث تتراجع القوة الصلبة الأميركية، بينما تتحول أدوات الهيمنة الليبرالية الأميركية، في الظروف الراهنة، إلى منصة استفادت منها قوى منافسة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، بما أسهم في نمو نفوذهما الجيوسياسي.
ويخلص الكاتب إلى أن العالم يعيش اليوم عصر التحولات الدولية الكبرى، حيث تتزايد مظاهر الفوضى العالمية نتيجة السياسات التي يتبعها عدد من قادة العالم، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وقد أدى ذلك إلى تراجع نسبي في الهيمنة الأميركية، في وقت يتجه فيه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب، لكنه لا يزال يتسم بالفوضى وعدم الاستقرار، خصوصًا مع صعود الصين، والتغيرات التكنولوجية المتسارعة، والأزمات البيئية، التي فرضت جميعها مسارات جديدة في تشكيل النظام العالمي.
ويبقى السؤال المطروح: هل يمكن أن ينبثق من هذه الفوضى نظام عالمي بديل، أم أن الفوضى نفسها ستتحول إلى حالة دائمة؟